اضطراب ما بعد الصدمة بقلم د. لينا محمد عاشور

|

 

اضطراب ما بعد الصدمة post traumatic stress disorder


للدكتورة لينا محمد عاشور

 

يشهد العالم بشكل عام الكثير من أشكال الصراع والحروب التي تترك أثارها النفسية، والاجتماعية، والأسرية على الأفراد الذين يعيشون في ظلها، وفي الغالب تتباين ردود الفعل النفسية لدى الأفراد الذين يعايشون الصدمات، فمنهم من يكون تأثير الأحداث الصادمة عليهم ضمن مستوى التحمل، في حين يتأثر البعض الأخر بشكل واضح وتظهر عليهم أعراض اضطراب ما بعد الصدمة، نتيجة لما تعرضوا له من مشاهد ومواقف هددت حياتهم بشكل مباشر أو غير مباشر، أو تعرضوا له ضمن ظروف الصراع من التعذيب، أوالعنف.
إن الأحداث الصادمة وخصوصاً تلك الناتجة عن الحروب والأوضاع غير المستقرة تُلقي بظلالها على الأفراد والجماعات ويترتب عليها العديد من الاضطرابات النفسية، والمشاكل الاجتماعية التي تؤثر على نوعية الحياة، وعلى التواصل مع الآخرين في المحيط الأسري والاجتماعي، إلى جانب تأثيرها على الأداء الوظيفي. ويعد الاكتئاب والقلق، واضطراب العلاقات بين الأزواج، والاستخدام الخاطئ للعقاقير والإدمان من أهم المشاكل المرافقة لاضطراب ما بعد الصدمة.
ويؤثر اضطراب ما بعد الصدمة وما يرافقه من مشكلات نفسية على الحياة العائلية بطرق متعددة، وعلى مستويات عدة، حيث إن الأفراد المتأثرين بالصدمة يواجهون صعوبة في التعبير عن مشاعرهم مما يشعر شركاءهم بالرفض، وعدم التقبل، الأمر الذي يولد لديهم الشعور بالعزلة، كما يصعب عليهم الانخراط في علاقات حميمة ودافئة مع شركائهم، وتتفاقم لديهم أعراض القلق والاكتئاب والشعور بالذنب، وعدم الكفاءة، مما يزيد من صعوبة التواصل مع الشريك، وتتحول العلاقة بينهما إلى علاقة مليئة بالألم والامتعاض.
يلاحظ أن التعرض المستمر ولفترات طويلة لأحداث صادمة يولد ضعف الرغبة للمشاركة في النشاطات الاجتماعية أو العائلية، مما يسهم في انخفاض الشعور بالمرح والسعادة والانسجام ويصبح من الصعب ممارسة حياة أسرية طبيعية .

 

اضطراب ما بعد الصدمة معروف منذ أمد بعيد، فقد تم تشخيص رجل في القرن السابع عشر في بريطانيا تعرض لحادث حريق، واستمرت حالته العقلية المضطربة لمدة طويلة بعد الحريق، وكانت حالته تماثل شروط تشخيص اضطراب ما بعد الصدمة، وخلال الحربين العالميتين الأولى والثانية والمصحوبة بالقصف الجوي والمدفعي برزت مصطلحات مثل صدمة القنابل Shell Shock، إنهاك القتالBattle Fatigue وذلك من أجل محاولة وصف حالات الجنود والمصابين بالصدمات، الذين لم يكونوا مصابين بجروح ظاهرة .
أما أعراض الاضطراب فقد تم ملاحظتها والانتباه إليها من قبل المؤسسات الطبية في آواخر القرن التاسع عشر، حيث لاحظ الأطباء وجود مشكلات نفسية لدى ضحايا القطارات دون آثار بدنية واضحة، وبدأوا يطلقون على هؤلاء ضحايا السكك الحديدية. قام فرويد (Freud) بصياغة مصطلح الهستيريا العصبية، ليصف حالات الصدمة، وقام بتوثيق أعراض متصلة بالصدمة، مثل: الإنكار، والتجنب أو التكرار الاقحامي للسلوك المرتبط بالصدمة، وعلى الرغم من إمكانية حدوث اضطراب ما بعد الصدمة كرد فعل لكوارث طبيعية من صنع الإنسان إلا أن لحرب فيتنام الدور المهم في إظهار معالم الاضطراب، وذلك من خلال العديد من الصعوبات التي عاني منها المحاربون فيها.
ومع ذلك فإن اضطراب ما بعد الصدمة حديث العهد من حيث التشخيص العلمي، مقارنة مع الاضطرابات الأخرى، فقد برز من خلال الدليل التشخيصي الإحصائي للاضطرابات العقلية التابع لجمعية أطباء النفس الأمريكية عام 1980 على أنه اضطراب عقلي قابل للتشخيص والتصنيف .
إن السمة المرضية (Psychopathology) الأساسية في هذا الاضطراب هي "الذاكرة الصدمية" (Memory Traumatic) وهذا ينعكس في أعراض نفسية محددة وردت في الدليل التشخيصي والإحصائي الرابع للأمراض النفسية (DSM-IV-TR,2000) كما يلي:
أ) تعرض الشخص لحادث صدمي (مؤذٍ) وتحديداً كما يلي:
1. إذا مر الشخص بخبرة أو شاهد أو واجه حدثاً أو أحداثاً تضمنت موتاً حقيقياً أو تهديداً بالموت أو إصابة بالغة أو تهديداً شديداً لسلامته أوسلامة الآخرين.
2. إذا تضمنت استجابة الشخص خوفاً شديداً وإحساساً بالعجز والرعب، وفي الأطفال يظهر هذا في صورة سلوك مضطرب .
ب) تتم استعادة الخبرة الصادمة بطريقة أو بأخرى من الطرق التالية:
1. تذكر الحدث بشكل متكرر ومقتحم وضاغط وذلك يتضمن صوراً ذهنية أو أفكاراً أو مدركات.
2. استعادة الحدث بشكل متكرّر وضاغط في الأحلام.
3. التصرف أو الشعور وكأن الحدث الصادم سيحصل مرة أخرى.
4. ضغط نفسي شديد عند التعرض لمثيرات داخلية أو خارجية ترمز إلى أو تشبه
بعض جوانب الحدث الصادم .
5. استجابات فسيولوجية تحدث عند التعرض للمثيرات سابقة الذكر.
ج) التجنب المستمر لأية مثيرات مرتبطة بالحدث إضافة إلى خدر عام في الاستجابات.
د) أعراض زيادة الإستثارة بشكل دائم.
هـ) الأعراض مستمرة لمدة شهر على الأقل (أمّا إذا كانت أقل من شهر فيطلق عليها
اضطراب الكرب الحاد).
و) يسبب هذا الاضطراب ضغطاً نفسيا واضحاً أو يؤدي إلى تدهور في الأنشطة
الاجتماعية أو الوظيفية أو جوانب أخرى هامة.
في مثل هذا التعريف الواسع للصدمة، الذي لا يقتصر على الحرب/ القتال أو الاغتصاب فحسب، بل أنه يشمل خبرات مثل: المشاركة في كوارث طبيعية، أو حوادث مواجهة الموت أو التعرض له، أثناء العمل (كعمال مكافحة الحريق، والأطباء)، أو حتى سماع أخبار مفاجئة وغير متوقعة عن وفاة أحد الأحباء.


بعض المظاهر والأعراض المرافقة لاضطراب ما بعد الصدمة:
1. الاكتئاب: ويعتبر الأكثر شيوعاً عند الناجين من التعذيب والكوارث والصدمات. فقد وجد أن نسبة الاكتئاب تشكل 70% عند الأفراد المعرضون للصدمة، إضافة إلى ارتفاع نسبة الانتحار لديهم. كما يظهر الاكتئاب بنسب عالية لدى الأشخاص الذين يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة، حيث قدرت النسبة بأكثر من 45% بين هؤلاء الأشخاص .
2. القلق: ينتشر القلق بشكل واضح لدى الناجين من التعذيب والأسر والحروب والكوارث الطبيعية، وأثبتت الدراسات أن أكثر من 75% من هؤلاء يعانون من القلق والخوف والتوتر والهلع دون وجود أسباب واضحة، إضافة لأعراض اضطراب ما بعد الصدمة.
3. الخوف من الموت: حيث يعاني معظم الناجين من التعذيب والكوارث والحروب من قلق الموت ويعتقدون أن حياتهم في خطر وأنهم سيموتون.
4. الاضطرابات السيكوسوماتية: يعاني معظم الناجين من التعذيب والكوارث والحروب والنزاعات من اضطرابات سيكوسوماتية مختلفة كالألم في الصدر والألم في الظهر والكتفين ومشاكل في الرئتين والقلب والقولون، وقرحة المعدة والغثيان والصداع والدوار والام في المفاصل وتوتر شديد، وألم مزمن في العضلات .
5. تعاطي الكحول او المخدرات:
يلجأ بعض الناجون من التعذيب والحروب والكوارث أحيانا إلى تعاطي الكحول والمخدرات وبالأخص من يعانون من الاكتئاب والتوتر، حيث تساعد الكحول في بداية الأمر الناجي في التخفيف من حالة الأرق والاكتئاب والقلق غير أن هذا التأثير يتوقف بعد ذلك مما يدفع بالمتعاطي إلى زيادة الكمية حتى يحصل على المفعول السابق، الأمر الذي يقوده إلى الإدمان.
6. التغير في الشخصية:
تتعرض شخصية الناجين من الكوارث والحروب والصدمات وسلوكهم إلى تغيرات سلبيه تشمل: فقدان الاهتمام بأنفسهم وبمن حولهم وعدم الثقة بالاخرين والحذرالشديد منهم، والشعور بالاضطهاد، وفقدان الأمل في المستقبل، والصلابة والتطرف في المواقف والآراء. هذا لا يقتصر على الفرد بحد ذاته بل يمتد إلى الأسرة التي من الممكن ان تعتبر المصدوم مريضاً عقلياً، متعاطياً للخمور. كما بتم احيانا الحكم على المريض بأنه فاشل ومنعزل وعلاقته سيئة مع أطفاله وزوجته. ويتم تجنبه على اعتبار أن سلوكه حافل بالغضب والعدوانية
الأساليب العلاجية لإضطراب ما بعد الصدمة
تم استخدام مجموعة من الأساليب العلاجية للتعامل مع اضطراب ما بعد الصدمة، منها المنحى السلوكي الذي افترض أن استجابة الفرد للأحداث الصادمة تكمن في الأعراض الأولية للاضطراب بالإضافة للأعراض الثانوية والتى تظهر من خلال ردود فعل الفرد، واستخدم هذا المنحى استراتيجيات العلاج بالإفاضة، وتقليل الحساسية التدريجي، وتقليل الحساسية بحركة العين. أما المنحى المعرفي فقد وجد أن السلوكات المرتبطة بالضغوط ترتبط بالإدراكات والتفسيرات الهادمة للذات والتي يمكن استبدالها بإدراكات وتفسيرات أكثر إيجابية، وبالتالي تركز استراتيجيات هذا المنحي على التعرف على الأفكار اللاعقلانية واختبارها بالواقع وتصحيحها، مما يؤدي إلى تخفيض إدراك شدة الضغط. كما استخدمت أساليب الإسترخاء بأنواعها المختلفة كأسلوب علاج وحيد أو مقترن بأساليب علاجية أخرى، فمن خلال تمارين التنفس العميق واسترخاء العضلات يتم السيطرة على الأعراض الجسدية المرتبطة باضطراب ما بعد الصدمة، مما له تأثيراً إيجابياً على المشاعر والأفكار. أما مجموعات الدعم فهي تهدف إلى توفير الدعم والتشجيع للأشخاص الذين مروا بالتجربة الصادمة، فيشعر الفرد منهم أنه ليس وحيداً، وأن هناك من مر بمعاناة مشابهة لمعاناته.
ومن أهم النماذج العلاجية المستخدمه في علاج اضطراب ما بعد الصدمه :
نموذج هيرمان (Herman Model):
تصف هيرمان (1997) علاج اضطراب ما بعد الصدمة بثلاث مراحل وهي:
المرحلة الأولى: تركز على سلامة المسترشد وتحقيق الإستقرار والأمن النفسي لديه.
المرحلة الثانية: يتم التركيز فيها على الحدث الصادم الذي يسبب صعوبات للضحية، حيث يشجع الفرد على استرجاع ذكريات الحدث الصادم، وتهدف هذه المرحلة إلى سرد كامل قصة الحدث، وتشترك جميع الحواس في عملية تذكر الحدث الصادم، ويكون دور المعالج شاهداً ومستمعاً، ومشاركاً لمشاعر الضحية، وقد يستخدم المعالج التداعي الحر، أو التفريغ الانفعالي للحدث الصادم، ويركز نموذج هيرمان على الحزن باعتباره من النتائج التي لا يمكن الفرار منها في حالة التعرض لخسائر مالية أو معنوية، وقد يقاوم الضحية الحزن، فيكون دور المعالج مساعدة الضحية على التعبير عن حزنه، على أساس النظر للحزن على أنه تصرف شجاع لا يدل على هزيمة.
المرحلة الثالثة: إعادة الربط، وتتمثل بمساعدة الضحية على خلق ذات جديدة، سوية مع
الماضي، وهذه المرحلة تركز على نقل المصابين باضطراب ما بعد الصدمة من ضحايا إلى
ناجين، وذلك من خلال زيادة إحساسهم بالقوة والسيطرة، وإلى زيادة الثقة بالنفس والآخرين.
د