أحدث التطورات في تشخيص وعلاج قرحة المعدة والاثنا عشري

|

 

 

قد ترجع شكوى المريض المتواصلة من الآلام في الجزء العلوي من البطن إلى الإصابة بقرحة المعدة أو الاثنا عشري. تساهم أساليب التشخيص الحديثة باستخدام منظار البطن عالي الاستبانة في الحصول على التشخيص بأسلوب بسيط وسريع. أما العلاج، فيعتمد عامة على المستحضرات الدوائية.


تشخص حالة قرحة المعدة عند إصابة الغشاء المخاطي المعدي بالتلف، والذي قد يمتد إلى الطبقات تحت الصفيحة العضلية المخاطية. يتسبب التوتر واستعمال بعض الأدوية المضادة للألم والمضادة للروماتزم وكذلك أنواع معينة من البكتيريا مثل الملوية البوابية في التهاب الغشاء المخاطي الذي قد يتطور إلى قرحة.

عامة يرجع تلف الغشاء المخاطي إلى اختلال التوازن بين عناصر حماية المعدة وبين الأحماض المعدية التي تنتج داخل خلايا غدد المعدة. كما يقوم الغشاء المخاطي بإنتاج المخاط القلوي الذي يتحد مع الأحماض المعدية لحماية أنسجة المعدة ضد التلف.

هكذا يتسبب أي خلل في التوازن بين القلويات والأحماض داخل المعدة في تلف الغشاء المخاطي، وبالتالي الإصابة بالقرحة. قد يحدث النزف عندما تتخلل القرحة الطبقات العميقة لتصل إلى الأوعية الدموية.

تنتشر إصابة الجزء الداني من الاثنا عشري بالقرحة نتيجة اختلال التوازن بين عصائر المعدة الحمضية وبين عصائر الاثنا عشري القلوية عندما يقل إنتاجها ويصعب القضاء على تأثير عصائر المعدة الحمضية، فيصاب ما يقرب من 150 من كل 100 ألف شخص سنوياً بقرحة الاثنا عشري بنسبة 3 : 1 للذكور والإناث، بينما تعادل الإصابة بقرحة المعدة 50 شخص في كل 100 ألف، مع تماثل نسبة الإصابة في الذكور والإناث، ويرتفع معدل الإصابة في الدول النامية.

أسباب الإصابة بقرحة المعدة والاثنا عشري

قد يحدث خلل التوازن بين الأحماض المعدية والعصائر القلوية في المعدة والاثنا عشري نتيجة عوامل داخلية أو خارجية:

  • العوامل الوراثية: حيث يرتفع خطر الإصابة بقرحة المعدة في الأطفال المولودين لآباء مصابين بقرحة المعدة، بينما يرتفع خطر الإصابة بقرحة الاثنا عشري بنسبة 50% مع فصيلة الدم 0

  • العوامل الخارجية تشمل:

 

- يزيد التدخين وشرب الكحول ومقدار كبير من القهوة على المدى الطويل من إنتاج الأحماض فيؤدي إلى الإصابة بالتهاب مزمن ثم القرحة

- تناول الأدوية المضادة للالتهاب التي لا تحتوي على الستيرويدات فترات مطولة مثل الأدوية المستعملة في علاج الروماتيزم والحمى والألم، وكذلك حمص الاسيتيل ساليسيليك والايبوبروفين وديكلوفيناك.



- تناول الأدوية المستعملة في علاج الالتهاب المحتوية على الكورتيزيون مع الأدوية الغير محتوية على الستيرويدات يرفع من معدل الإصابة بقرحة المعدة إلى عدة أضعاف، على الرغم من أن تناول المستحضرات الكورتيزونية وحدها لا يسبب قرح.


- العدوى بالملوية البوابية من أهم أسباب الإصابة بقرحة المعدة والأمعاء. لا تستطيع عصارة المعدة الحمضية القضاء على هذا النوع من البكتيريا فتتكون مستعمرات داخل المعدة تتسبب في التهاب مزمن بالغشاء المخاطي (التهاب معدي نمط ب).

يؤدي الالتهاب المزمن إلى خلل التوازن بين القلويات والأحماض داخل المعدة ومن ثم الإصابة بالقرحة. يصاب ما يقرب من 5% من الأطفال و24% من البالغين تحت 30 عام في ألمانيا بعدوى الملوية البوابية، ثم ترتفع نسبة الإصابة بما يعادل 1% سنوياً مع تقدم العمر.

أما في الدول النامية فترتفع نسبة الإصابة بشكل ملحوظ في البالغين حيث تعادل ما يقرب من 80 %. تحدث العدوى من شخص إلى شخص على الرغم من عدم التعرف على أسلوب العدوى حتى الآن. تتسبب العدوى بالملوية البوابية في زيادة احتمالات الإصابة بسرطان المعدة إلى 2 - 3 أضعاف.



تشخص العدوى بالملوية البوابية في 95% من قرحات الاثنا عشري و 70 - 80% من قرحات المعدة. وقد حصل الطبيبان الاستراليان Robin Warren و Barry Marshallعام 2005 على جائزة نوبل في الطب بعد الكشف عن الملوية البوابية كأحد الأسباب الرئيسية للإصابة بقرحات المعدة والاثنا عشري.

- يؤدي التوتر والعوامل النفسية الأخرى مثل الاكتئاب والتهيج النفسي والصدمات النفسية إلى الإصابة بالتهاب الغشاء المخاطي المعدي المزمن ثم القرحة.

- أسباب نادرة منها فرط وظائف الدريقة ومتلازمة Zollinger-Ellison التي تتسبب في زيادة إنتاج هرمون غاسترين الذي يزيد من إنتاج أحماض المعدة

- اضطراب الحركة المعدية واسترجاع الصفراء يتسبب في الإصابة بالقرحة.

تحول قرحة المعدة إلى ورم سرطاني


الأعراض


تعد آلام الجزء العلوي من البطن من أكثر أعراض الإصابة بقرحة المعدة أو الاثنا عشري انتشاراَ. عامة تظهر الآلام في حالات قرحة المعدة في منتصف الجزء العلوي من البطن أو في الجانب الأيسر بعد الوجبات، بالإضافة إلى الغثيان وفقدان الشهية والإحجام عن شرب القهوة والأغذية الغنية بالدهون والمشروبات الغازية والمواد الغذائية الحمضية.

أما في حالة قرحة الاثنا عشري فتظهر الآلام عند الاستيقاظ وكذلك بعد ساعتين من تناول الطعام. هنا تتركز الآلام عامة غي منتصف الجزء العلوي من البطن وقد تمتد إلى الجانب الأيمن.

المضاعفات


تظهر المضاعفات في المقام الأول بعد تناول الأدوية المضادة للألم والتي تساعد على تخفيف الأعراض. قد يحدث النزف داخل المعدة أو الاثنا عشري عندما يصاب جدار أي وعاء دموي بالتآكل. وفي حالة النزف الشديد يصاب المريض بتقيؤ الدم، أو يظهر البراز في لون أسود داكن نتيجة النزف البطيء الغير مكتشف. يرجع اللون الأسود في هذه الحالة إلى هضم الدم داخل المعدة.

من المضاعفات الأخرى انثقاب قرحة المعدة وتكون فتحة تربط مباشرة بين جوف المعدة وجوف البطن، تنتقل عن طريقها بقايا الطعام والعصارة المعدية إلى الجوف البطني فتسبب التهاب الصفاق المتصاحب بآلام شديدة في البطن، وهو ما يعرف بالبطن الحاد الذي يستدعي عمل الجراحة الفورية.

أما عندما يصاب البواب بالتندب نتيجة القرحة المزمنة فيحدث تضيق في المنطقة مصاحب بالغثيان وفقدان الشهية. وفي حالة التضييق الشديد الذي لا يسمح بمرور الطعام أو السوائل، يصاب المريض بالقيء المتكرر كل ساعة أو ساعتين. وغالباً ما يحدث هنا استرجاع داخل المريء مع الالتهاب وظهور أعراض مثل الحموضة والآلام خلف القص.

التشخيص

يدل موقع الإصابة بالآلام على موضع القرحة، فظهور الآلام الجائرة المصاحبة بالحرقة في الجزء العلوي من البطن مباشرة بعد تناول الطعام (بعد 1 - 2 ساعة)، أو في بعض الحالات خلف القص مع الامتداد إلى الظهر، يعتبر دليلا على الإصابة بقرحة المعدة.

أما عندما تتحسن الأعراض بعد تناول الطعام وتظهر أثناء الليل أو مع المعدة الفارغة، فيشير ذلك إلى الإصابة بقرحة الاثنا عشري. كما تعد فترة الألم من الأعراض الهامة حيث تشير إلى الإصابة بالقرحة الحادة عند ظهور الأعراض فجأة، أو القرحة المزمنة عند ظهور الأعراض تدريجياً. يساهم التعرف على الأعراض في تحديد موقع الإصابة، لكن التشخيص النهائي يتم بعد عمل منظار المعدة.

تنظير المعدة

لا يمكن الاستغناء عن فحص المعدة و الاثنا عشري بالمنظار من أجل تشخيص القرحة واستبعاد احتمالات الإصابة بالالتهاب أو الأورام السرطانية أو إصابة أعضاء البطن الأخرى. هنا يستخدم منظار مرن عالي الاستبانة مزود بآلة التصوير للحصول على صور واضحة.

تتوافر عدة وسائل لإجراء الفحص بأسلوب وديع لا يسبب إي إزعاج للمريض. فيمكن عمل الفحص تحت التخدير الموضعي للغشاء المخاطي بالإضافة إلى حقن دواء مهدئ مثل Midazolam. يتميز هذا المهدئ بتأثيره السريع ودخول المريض في حالة نوم عميق، بالإضافة إلى خلق حالة من فقدان الذاكرة الرجوعي، فلا يتذكر المريض تعرضه لأي عبء بعد انتهاء الفحص.

كما يمكن إجراء الفحص تحت التخدير الكامل قصير المدى باستعمال Propofol عند الحاجة. بالإضافة، يتم عمل خزعة الغشاء المخاطي أثناء الفحص التنظيري وفحصها هستولوجياً وعمل اختبار اليورياز للكشف عن الإصابة بالملوية البوابية. وتستخدم الخزعة في الكشف عن إية إصابة خفية بالورم الخبيث حيث أن قرحة المعدة قد تتطور في بعض الحالات إلى إصابة سرطانية.

لذلك ينصح بتكرار الفحص التنظيري بعد أربعة أسابيع من انتهاء العلاج للتأكد من عدم الإصابة بسرطان المعدة. لا تتطلب قرحة الاثنا عشري أي فحص للمراقبة بعد العلاج حيث أن احتمالات التطور إلى ورم خبيث غير واردة.





استخدام المشبك في وقف النزف




العلاج

كان العلاج الجراحي في الماضي هو الأسلوب المعياري في علاج قرحة المعدة، أما اليوم وبعد تطور أساليب الفحص والعلاج التنظيري وتوافر العلاج الدوائي الفعال، فلا تطبق الجراحة إلا في حالة الإصابة بالمضاعفات مثل النزف الذي لا يمكن وقفه بالعلاج التنظيري أو تضيق المعدة أو انثقاب المعدة.

- يشمل العلاج في حالة عدم الإصابة بالملوية البوابية الأدوية الحاصرة للحموضة والتي تحول دون إتلاف العصائر المعدية للغشاء المخاطي المصاب، وبالتالي تساعد على التئام القرحة تلقائياً. هنا يلاحظ أيضاً تحسن الألم. تستخدم عدة أنواع من الأدوية في العلاج وتضم:

1- مثبطات مضخة البروتون مثل Omeprazol, Pantoprazol, Esomeprazol. تقوم مضخة الأيونات بضخ بروتونات الهيدروجين الإيجابية (H+) في جزيئية حمض (HCL) وكذلك أيونات الكلورين السالبة إلى داخل المعدة بعد فصلها عن طريق الإنزيم. تعمل الأدوية سابقة الذكر على وقف مضخة الأيونات وبالتالي تمنع تكون أحماض المعدة.

 

2- حاصرات مستقبل الهيستامين مثل Ranitidin أو Cimetidin تحصر مستقبل الهيستامين في خلايا المعدة المنتجة للأحماض وبالتالي توقف إنتاج الأحماض المعدية. وبما أن إنتاج الأحماض المعدية يتم أثناء الليل، يعتبر تناول هذه الأدوية في المساء أو أثناء الليل في غاية الأهمية، مما يساهم كذلك في التغلب على تأثيراتها الجانبية في شكل تعب أو نعسان.


3- الأدوية المضادة للحموضة تقوم بالإتحاد مع أحماض المعدة وبالتالي معادلتها، لكن كفاءتها في العلاج أقل من مثبطات مضخة البروتون.


- علاج الإصابة بالملوية البوابية


عند الكشف عن الإصابة بالملوية البوابية وقرحة المعدة أثناء الفحص التنظيري، يطبق العلاج الإستئصالي الذي يجمع بين الأدوية المضادة للحموضة وبين نوع من أنواع المضاد الحيوي. يطبق العلاج الثلاثي في الكثير من الحالات حيث يتناول المريض نوعين من المضاد الحيوي لمدة أسبوع واحد: مثلاً Amoxicillin و Clarithromycin أو Metronidazol، مع أحد مثبطات مضخة البروتون. يحقق العلاج الاستئصالي نتائج إيجابية في 90% من الحالات.

ينصح بعمل اختبارات المراقبة بعد أربعة أسابيع للتأكد من القضاء على الملوية البوابية. أما في حالة فشل العلاج الاستئصالي في التخلص من الملوية البوابية بسبب المقاومة للمضاد الحيوي، فيجب تطبيق العلاج بمضادات حيوية أخرى، أو عمل اختبارات المقاومة كما تتطلب بعض الحالات الفردية.

العلاج الغذائي

من أجل نجاح العلاج الدوائي، يجب في المقام الأول تجنب المواد المضرة للمعدة ومنها الأدوية المضادة للروماتيزم مثل حمض الأسيتيل ساليسيليك وايبوبروفين وديكلوفيناك. كما يجب الامتناع عن شرب الكحول وعن التدخين وكذلك تناول الأطعمة الحارة والدهنية مع التقليل من شرب القهوة إلى الحد الأدنى. ولا يتحتم إتباع المريض نظام غذائي محدد.

العلاج الجراحي

بعد تطوير عدد من المستحضرات الدوائية الفعالة أصبح من النادر تطبيق العلاج الجراحي لقرحة المعدة، فلا يطبق إلا في حالة الإصابة بالمضاعفات مثل الإنثقاب لخياطة القرحة، أو تطبيق جراحة Billroth لاستئصال جزء من المعدة، أو علاج التضيق الشديد.

أما قطع المبهم الذي كان كثيراً ما يطبق في الماضي لعلاج القرحة المنتكسة، فقد أصبح من أساليب العلاج النادرة. تشمل هذه الجراحة فصل العصب المبهم الذي يؤثر في إنتاج الأحماض المعدية في المنطقة بالقرب من جدار المعدة مع المحافظة على المعدة بالكامل. هكذا يمكن استعادة التوازن بين أحماض المعدة وبين عناصر حماية المعدة. اضطراب حركة المعدة بعد الجراحة يعد من أهم مساوئ هذا الأسلوب.

وقف النزف من المعدة

يحدث نزيف المعدة نتيجة تغلغل القرحة إلى الطبقات العميقة تحت الغشاء المخاطي وجرح الأوعية الدموية المغذية. في معظم الحالات يمكن وقف النزف عن طريق منظار المعدة، سواء بحقن الأدوية مباشرة في جدار المعدة حول موضع النزف أو عن طريق إغلاق الوعاء النازف بالمشبك المعدني. هكذا يمكن تجنب العلاج بالجراحة المفتوحة.

انتكاس قرحة المعدة

يعد انتكاس القرحة عامة من الحالات النادرة على الأخص عند الالتزام بقواعد العلاج والامتناع عن تناول المواد الضارة بالغشاء المخاطي. ويجب تحديد مقدار شرب الكحول والتدخين، مع الامتناع تماماً عن تناول الأدوية المضادة للالتهاب الغير محتوية على الستيرويدات.


وفي حالة انتكاس القرحة على الرغم من الالتزام بالقواعد السابقة، يجب بداية العلاج الدوائي مع التأكد من عدم تكون أية أورام سرطانية بالمعدة عن طريق عمل الخزعة. يعتبر معدل الانتكاس بعد تطبيق العلاج الاستئصالي في الدول الصناعية ضئيلا، ولا يتعدى معدل انتكاس العدوى بالملوية البوابية 1% سنوياً.